في حي الجمرك بالإسكندرية، ولدت زينب محمد سعد في 4 مايو 1912، رحل والدها مبكرا وهي ما زالت طفلة،
وبعد وفاته تزوجت من ابن عمها الطبيب، وكان عمرها لم يتخط الـ 15 عاما وهو يكبرها بأكثر من 10 سنوات، لم يستمر الزواج طويلا وانفصلت عنه، حتى تسعى للغناء في الإسكندرية ولكن رفض واستهجان أسرتها لرغبتها، اضطرها لأن تتخذ مسلكها بنفسها، وإن كلفها تنكرهم لها.
حملت الطفلة زينب داخلها حبا للفن لم يقدره أحد، فكان الرفض هو الرد على محاولاتها للغناء أو المشاركة في العروض الاستعراضية،
فقررت بصحبة صديقتها خيرية صدقي أن تسافر إلى القاهرة، وقيل إنها سافرت إلى لبنان مع والدتها وغنت في كازينوهات بيروت، واشتهرت بأغنية "أنا زينات المصرية خفة ودلع، أرتيست لكن فنية، أغني وأتسلطن يا عنيا، تعالى شوف المصرية".
يتردد أنها كانت الأغنية التي فتحت لها فرصة الرجوع إلى مصر بعد أن رأتها بديعة مصابني، ورغم عدم دقة المعلومات عن بدايات زينات صدقي،
لكن الأكيد أنها عملت لفترة في فرقة "نجيب الريحاني"، فكانت ترقص وتغني المونولجيست، كما شاركت في مسرحيته "الدنيا جرى فيها إيه"، ومنحها الريحاني اسم "زينات صدقي" حتى لا يختلط مع ممثلة أخرى اسمها زينب صدقي.
تمتعت زينات صدقي بجمال آخاذ، عيون ملونة وملامح فاتنة، كان يمكن لها أن تكتبها مع نجمات الصف الأول،
لكنها كانت "كوميديانة" بالفطرة، لا تناسبها أدوار الفتيات الباحثات عن الحب أو الساعيات لاكتشاف أنفسهن، ولا يليق بها حفظ الدور وتأديته، فتجاهلت مظهرها وسعت لأن تكون مميزة بحضورها المتفرد.
ذكر الفنان الراحل فؤاد المهندس في أحد اللقاءات التلفزيونية، أن نجيب الريحاني كان يلقب زينات صدقي بـ قيثارة المسرح"،
واعتبرها قيمة لم يأت مثلها "مين يعرف يعمل زي زينات دلوقتي"، بالتأكيد لا يمكن لأحد أن يكون مثل زينات، سواء بإخلاصها للفن والكوميديا أو بحضورها المميز في كل عمل سينمائي، تسعى أن تخدم الفيلم من نقودها الخاصة، فتشتري أزياء الشخصية التي تجسدها وإكسسواراتها المميزة لتضيف لها لمسة خاصة، وبهذا خلدت أدوارها وعاشت في قلوب محبيها.
لم تكن زينات صدقي تقرأ السيناريو وتحفظ الحوار. كل من عمل معها يتذكر كيف كانت تفهم طبيعة الدور والعمل، وتبدأ في الارتجال
وبكل تلقائية تلقي بالكلمات التي ما زالت تشتهر بها.
فما تقوله زينات صدقي لا يمكن أن يخطر على بال مؤلف، ولكنها آتية من قاموسها الخاص،
ويحكي الفنان الراحل أحمد رامي في لقاء تلفزيوني، حين توقف يوم تصوير كامل بسبب عدم قدرة الممثلين على التوقف عن الضحك بسبب ما قالته زينات صدقي "كل ما تتكلم نضحك ومش قادرين نسكت".
شاركت زينات صدقي في ما يقرب من 200 فيلم وشكلت ثنائيات مميزة مع إسماعيل يس وعبد السلام النابولسي،
فظهرت بأدوار الجارة سليطة اللسان والسيدة التي تسكن حي شعبي، والمرأة التي تبحث عن زوج وتبذل في ذلك كل السبل، ومن بين أشهر الأفلام التي شاركت بها:
- المليونير الفقير- 1959
- أبو عيون جريئة- 1958
- إسماعيل يس في مستشفى المجانين- 1958
- الشيطانة الصغيرة- 1958
- شارع الحب- 1958
- ابن حميدو- 1957
- أيامنا الحلوة- 1955
- الأنسة حنفي- 1954
- دهب- 1953
- بيت النتاش- 1952
- الأنسة ماما- 1950
- ياسمين- 1950
- عفريتة هانم- 1949
آخر فيلم شارك فيه كان "بنت اسمها محمود" عام 1975، وكانت لها مشاركاتها المسرحية في أدوار مختلفة، منها: مسرحية جوزي كذاب، والست عايزة كده، وركن المرأة.
ليس كما يُشاع عنها بأنها لم تتزوج إطلاقا، وبات يُلقى عليها ألقاب غير لائقة مثل "عانس". تزوجت زينات صدقي مرتين الأولى كانت من قريبها الطبيب
وانفصلت عنه لتسافر إلى القاهرة وتعمل في الفن. أما الزيجة الثانية فكانت من ضابط معروف يقال إن والده كان عمدة إحدى قرى محافظة المنوفية.
لم يستمر زواج زينات صدقي الثاني طويلا، رغم محبته الكبيرة لزوجها. الذي يشاع أنه طلب منها أن يبقيا الزواج سرا
وأن تترك والدتها لتعيش مع إحدى شقيقاتها، وهو ما لم تتحمله منه، وقررت الانفصال.
في عيد العلم عام 1965، شملها الرئيس اجمال عبد الناصر ضمن المكرمين، بالعودة إلى الحفل الذي ذكرناه في البداية،
بدت خلاله زينات صدقي خجولة من علامات العمر التي حُفرت بوحهها، ويائسة لكن تحمل قليلا من الأمل في أن تشارك بأعمال جديدة بعد غياب طويل "إنشالله دور عفريتة"، وبكل صدق أفصحت عن عمرها "أنا مواليد 4 مايو سنة 12.. ومستعدة أشتغل 24 ساعة في الـ 24 ساعة".
أت وقتها في زينات صدقي في الحفل والتكريم الذي أقيم في مبنى التلفزيون، وبرعاية عبد القادر حاتم وزير الثقافة والإعلام حينها،
فرصة لرد الاعتبار لها ولزملائها الممثلين بمنحهم مكافأت ومعاشات استثنائية.
"ربنا ينصر الفنانين على أهاليهم اللي مبيعترفوش بالفن" عبرت عن رغبتها في الاعتراف والتقدير بتلقائيتها المعهودة،
فهي ابنة جيل أفنى عمره للفن، ورحل دون أن ينال التقدير الذي يستحقه.
بعدها بسنوات، سعى الرئيس الراحل أنور السادات إلى تكريمها ضمن آخرين في حفل عيد الفن عام 1976.
ومع ترددها في الحضور بسبب عدم امتلاكها لفستان يليق بالمناسبة،
وبين محاولة رشاد رشدي، رئيس أكاديمية الفنون حينها، ومعرفتها بحرص السادات على حضورها.
جاءت إلى الحفل مرتدية جيب وبلوزة وتلقت التكريم، وكان باديا أنها تحمل داخلها مشاعر حزن قوية، منحها السادات مكافأة وأعاد صرف معاش استثنائي لها.
منذ أتت زينات صدقي إلى القاهرة واستقرت بها، سكنت في شقة بالدور الخامس في إحدى البنايات القريبة من منطقة رمسيس بشارع جلال باشا،
اختار لها الشقة نجيب الريحاني وعاشت فيها مع شقيقتها وابنة شقيقتها نادرة. التي أنجبت أبنائها عزة وطارق وكانت تأنس زينات صدقي بوجودهم جميعا، وما زالت الحفيدة عزة تعيش في نفس الشقة.
تدهورت الحالة الصحية للراحلة زينات صدقي، لدرجة أنها لزمت المنزل ولم تشارك بأي عمل أو أي ظهور لسنوات،
فأصيبت بماء على الرئة كانت تُصعب عليها الحركة والتنفس، حتى رحلت في 2 مارس 1978.







0 تعليق على موضوع : زينات صدقي "كوميديانة" لم يجُد الزمان بمثلها.. تمنت اعتراف أهلها بها
الأبتساماتأخفاء الأبتسامات