كتب كمال عزمي:
مع بداية سنة 1946 أعدت الإذاعة المصرية مجموعة من الأغنيات الخاصة لكي تذيعها خلال زيارة الملك السعودي عبد العزيز آل سعود لمصر. من تلك الأغنيات أنشودة التاجين لمحمد عبد الوهاب و قصيدة سلوا قلبي لأمير الشعراء أحمد شوقي التي لحنها رياض السنباطي وغنتها أم كلثوم بعد إضافة بعض الأبيات لها من نظم الشاعر محمد الأسمر.
دأبت الإذاعة على تقديم هذه القصيدة خلال زيارة العاهل السعودي لمصر التي بدأت في 10 يناير وانتهت في 22 يناير. بعد الزيارة ظلت الإذاعة تذيع التسجيل الإذاعي للأغنية لأسابيع قليلة إلى أن استبدلت إذاعته بتسجيل حفل السابع من مارس 1946 ولم تعد تقدم التسجيل الإذاعي بالأبيات المضافة لمحمد الأسمر. تسجيل (سلوا قلبي) من حفل السابع من مارس 1946 – مدته 25 دقيقة تقريباً – مازالت تذيعه الإذاعة المصرية على فترات متباعدة حتى الآن، وهومتداول بين هواة التسجيلات. لكن تاريخه الصحيح غير معروف حتى اللحظة ويقدم هنا لأول مرة.

اعلان حفل 7 مارس 1946
أحداث فبراير 1946:
أقيم حفل السابع من مارس بعد وقت عصيب عاشته مصر خلال الأسابيع التي سبقت الحفل. فقد شهدت مصر في شهر فبراير مظاهرات وإضرابات تطالب بجلاء القوات البريطانية عن الأراضي المصرية وكانت مظاهرات التاسع من الشهر والحادي والعشرين منه أشدها دموية وأكثرها في عدد الضحايا.
بعد الأحداث الدموية التي شهدها يوم الحادي والعشرين من فبراير، قررت جميع الهيئات والجمعيات والنقابات المصرية وطلبة الجامعات والمعاهد العلمية والدينية جعل يوم الإثنين ( 4 مارس ) يوماً للحداد العام. تضرب فيه كل هذه الهيئات والجمعيات. وساهمت جميع الصحف المصرية في إعلان هذا الشعور الوطني فاعلنت احتجابها عن الصدور في ذلك اليوم.
كانت أم كلثوم قد اتفقت على إقامة حفل كلية الآداب بجامعة القاهرة في مساء الإثنين الرابع من مارس. وبسبب إعلان هذا اليوم يوماً للحداد العام، فقد تم تأجيل الحفل. أما حفل الخميس الأول من شهر مارس الموافق للسابع منه، وهو حفل الإذاعة الشهري فقد أصرت أم كلثوم على تقديمه رغم اقتراح البعض عليها ألا تقيمه.
موقف أم كلثوم من الحفل في حديث إذاعي:
شرحت أم كلثوم موقفها من هذا الحفل في برنامج إذاعي اسمه ” مهنتي ” كان يعده ويقدمه الإذاعي عبد الحميد يونس. ففي هذا البرنامج الذي أذيع مساء الاثنين 25 مارس 1946 قالت أم كلثوم :
في أواخر الشهر الماضي، أيام الحوادث الأليمة التي راح ضحيتها أرواح بريئة من المواطنين. بعث إليَّ مستمع كريم من طنطا برسالة جاء فيها أنه علم من الصحف أن لي حفلة يوم 4 مارس تقيمها كلية الآداب وحفلة الإذاعة يوم 7 مارس. وقال صاحب الرسالة أن إخلاصه لي وتقديره دفعاه لأن يقترح عليّ تأجيل الحفلتين. فقد لا يكون من المناسب إقامة حفلات غنائية والبلاد في حالة حزن على الضحايا. الواقع أنني اندهشت حين قرأت هذا الاقتراح وإن كنت قدرت الشعور الطيب الذي دفع صاحبه إليه. وأرسلت له الرد على الفور وأخبرته أنني كنت بالطبع قد اتفقت – قبل تسلمي الكتاب – على تأجيل حفلة 4 مارس لأنه يوم الحداد العام. أما حفلة الإذاعة فقلت في ردي عنها أنه لا موجب لتأجيلها مادامت في أحد الأيام العادية التي يجب فيها على كل فرد أن يؤدي عمله، وإنني سأقيم الحفلة بإذن الله وعلى بركته معتقدة أنني بإحيائها إنما أؤدي واجباً وطنياً في هذه الظروف فليست مهمة المغني الإطراب والترفيه فحسب. كان هذا ردي. ( نص حديث أم كلثوم الكامل في هذا البرنامج في مقال قادم)
وأقيم الحفل فعلاً على مسرح حديقة الأزبكية وغنت فيه أم كلثوم ” سلوا قلبي ” ويبدو أن هذه القصيدة قد جاءت في وقتها فما كان أحوج المصريين وقتها وفي ذلك الظرف العصيب لأن يستمعوا إلى ” وما نيل المطالب بالتمني … ولكن تؤخذ الدنيا غلابا ” وغيرها من الحكم الوطنية والدينية التي تفيض بها القصيدة. ومن الصدف أن أم كلثوم بعد واحد وعشرين عاماً قد قدمت نفس القصيدة في حفل أقيم في وقت عصيب آخر مرت به البلاد.
الإذاعة سجلت الحفل
سجلت الإذاعة هذه الأغنية من الحفل وأصبحت تذيعها بدلاً من التسجيل الإذاعي الذي ينتهي بأبيات للشاعر محمد الأسمر – كما ذكرنا أعلاه – وهذا أغضب بعض المستمعين. فقد كتب أحد المستمعين من أسيوط للإذاعة يقول أنه يؤثر سماع تسجيل أغنية ” سلوا قلبي ” المسجلة في الاستوديو لأن تسجيلها ” رائقاً خالياً من التصفيق والزيطة”.
كان رد الإذاعة على المستمع كالتالي: إن الجميع يعرف أن تسجيل الاستوديو كان لمناسبة خاصة، هي زيارة جلالة الملك عبد العزيز آل سعود لمصر، وقد مضينا في إذاعة أغاني هذه الزيارة الملكية حيناً، حتى بعد أجل المناسبة، فأوقفنا إذاعتها كما فعلنا بغيرها من تسجيلات المناسبات، مدخرينها لأوقاتها المناسبة. أما أغنية ” سلوا قلبي ” بتسجيلها الجديد من الحفلة الذي لا ينتهي بأبيات الأستاذ الأسمر، فقد أصبحت أغنية وطنية دينية عامة تصلح للإذاعة في كل وقت. كما أن الآراء اجتمعت على أن الآنسة أم كلثوم تجلت في التسجيل الأخير تجلياً فائقاً في ذلك الجو المحيط بالأغنية.
الظروف التاريخية التي أحاطت بالحفل من خلال الصحافة:
عناوين بعض الصحف التي أرخت لأحداث فبراير 1946:
فبراير 1946..القاهرة تغلي .. والمظاهرات الطلابية تطالب بجلاء القوات البريطانية عن مصر.
هكذا كان الحال في القاهرة التي شهدت حوادث أليمة حصدت أرواح مئات الضحايا من المصريين. أكثرهذه الأحداث دمويةً حدثت في يومي 9 و 21 فبراير.
صحف ذلك الزمان شهدت على تلك الأحداث فكتبت في عناوينها:
3 فبراير 1946: مصر كمرجل على وشك أن يغلي.

10 فبراير 1946: أعظم مظاهرات تشهدها القاهرة منذ سنوات. الهتاف بسقوط بريطانيا والمطالبة بالجلاء أو الموت. طلاب مصر يتظاهرون ضد بريطانيا ويصطدمون بالبوليس. 146 جريحاً من الطلبة والجنود. منع المظاهرات.


13 فبراير 1946: جنازة صامتة يسير فيها الطلاب في شوارع القاهرة فيصطدمون بالبوليس ووقوع ضحايا. مظاهرات وحوادث جديدة في الإسكندرية والزقازيق والمنصورة. الطلبة يهتفون ضد الزعماء ويطالبون بالجلاء.

14 فبراير 1946: استقالة وزراء الكتلة الوفدية من الحكومة واحتججاهم على تدابير الوزارة ضد الطلبة. لا مظاهرات اليوم. منع نشر الإضراب في الصحف.

16 فبراير 1946: استقالة وزارة النقراشي باشا وتأليف وزارة جديدة. صدقي باشا يؤلف وزارة ائتلافية. وفد المفاوضات. انتهاء إضراب الطلاب.

21 فبراير 1946: اليوم تضرب مصر إضراباً عاماً شاملاً.

22 فبراير 1946: القاهرة تهب هبة رجل واحد مستجيبة لنداء الوطنية يوم الجلاء. إستفزاز الجنود البريطانيين لشعور المتظاهرين ووقوع معركة حامية الوطيس في ميدان إسماعيل. 17 قتيلاً وأكثر من 300 جريح. مظاهرات صاخبة في أنحاء العاصمة. بيان صدقي باشا وتهديده باستخدام القوة. رواية رويتر المغرضة.

3 مارس 1946: مصر تضرب يوم الاثنين إضراباً عاماً.

4 مارس 1946: روعة جهاد مصر تتجلى في وحدتها وإضرابها إجلالاً لذكرى الشهداء. دولة صدقي باشا ينصح بالعدول عن المظاهرات لمواجهة الظروف الدقيقة. إضراب الصحف المصرية.

5 مارس 1946: يوم الجلاء والشهداء يسفر عن حوادث جديدة في الإسكندرية ووقوع شهداء. القاهرة تقضي يوم الشهداء بهدوء وسلام.




0 تعليق على موضوع : سلوا قلبي .. القصيدة التي ألهبت المشاعر في وقت عصيب
الأبتساماتأخفاء الأبتسامات