
إعداد وتوثيق : أ. أحمد السِمِلَّاوي
في 28 ديسمبر 1942 كان الموعد مع العرض الأول لفيلم عايدة في دار سينما ستوديو مصر. هذا الفيلم الذي قامت ببطولته أم كلثوم استمر عرضه في هذه الدار لمدة خمسة أسابيع. شركة أفلام الشرق التي أنتجت هذا الفيلم رأت أن الفيلم لم ينل النجاح الكافي، فاقترحت بعض التعديلات على الفيلم ، ثم إعادة عرضه مرة أخرى على الجمهور.

الراديو المصري 9 يناير 1943 نشرت إعلانات الفيلم

إعلان فيلم عايدة في مجلة الراديو المصري 9 يناير 1943
قامت الشركة بالفعل بإجراء تعديلات كثيرة على الفيلم وعرضته مرة أخرى بصورته الجديدة لمدة أسبوعين في دار سينما ستوديو مصر ابتداءً من 20 سبتمبر 1943.
مجلة الصباح كتبت عن الفيلم في حلته الجديدة وأبرزت التعديلات التي أجريت عليه وذلك في عدة مقالات بدأت قبل العرض الجديد للفيلم. وفي عددها الصادر بتاريخ 2 سبتمبر 1943 كتبت تحت عنوان ( فيلم عايدة في صورته الجديدة) مايلي:
لأول مرة في تاريخ السينما المصرية يحدث أن يعرض أحد الأفلام الكبيرة كفيلم <<عايدة>> و ينال نجاحا مشهودا في الموسم السابق ، ثم تفكر الشركة التي أنتجته – و هي شركة أفلام الشرق – في تقديمه إلى الجمهور في الموسم الحالي تقديما جديدا يضاعف نجاحه و نجاح أبطاله ، و على رأسهم نجمة الشرق المطربة المحبوبة أم كلثوم. كان هذا الفيلم حينما شاهدناه في الموسم السابق يمتاز بتلك الأوبرا الرائعة – أوبرا عايدة – التي كانت في ذاتها حدثا رائعا في السينما المصرية بصفة عامة و الموسيقى الشرقية بصفة خاصة … و قد بذلت الشركة في تقديمها مجهودا جبارا و خاصة من الناحية الغنائية و الموسيقية و ناحية المناظر .. فكانت هذه الأوبرا .. فضلا عن ارتباطها بحوادث الفيلم .. كانت فيلما قائما بذاته إلى حد أن تركيا – و هي مشهورة بحبها للموسيقى و تقديرها للمشتغلين بها .. رأت أن تكتفي بهذه الأوبرا – بعد أن ترجمتها إلى اللغة التركية – كفيلم عظيم من أروع الأفلام تعرضه و هي واثقة من عظيم نجاحه . و لكن هذه الأوبرا الرائعة كانت بالذات موضع اهتمام جديد من شركة أفلام الشرق ، فقد رأت أن تختصر من زمن عرضها و تدخل عليها بعض التعديلات من ناحية إخراج المشاهد مع احتفاط الأوبرا بقوة عناصرها و روعة مناظرها و عظمة موسيقاها.
حظ فيما كتبته الصباح عن الفيلم الروح الدعائية والترويجية للفيلم قبل عرضه، وهذا الأسلوب كان منتشراً في الصحافة الفنية خلال تلك الحقبة الزمنية. ونلاحظ ذلك أيضاً فيما كتبته الصباح في عددها التالي الصادر في 9 سبتمبر، فتشوق القراء لمشاهدة الفيلم:
و إذا عرفنا أن كبريات شركات السينما في أمريكا تعهد في بعض الأحيان إلى تقديم أفلامها الكبيرة في حلة جديدة تزيد من عظمتها وتشوق الجماهير إلى رؤيتها من جديد ، إذا عرفنا ذلك أدركنا لماذا أقدمت شركة أفلام الشرق هي الأخرى على مثل هذه الخطوة التي لا تريد من ورائها إلا خدمة السينما و الموسيقى و جمهورها عن طريق أفلامها ، فقد أدخلت على فيلم << عايدة >> بعض التعديلات و الابتكارات و زادت عليه أغنية جديدة و قصرت بعض مشاهد الأوبرا مما جعل <<عايدة>> في ثوبها الجديد تلائم كل ذوق و سيعجب بها كل من يراها.
مما سبق نستطيع أن نتعرف على تعديلين أجريا على الفيلم وهما: إضافة أغنية جديدة وتقصير مدة مشاهد الأوبرا.
بعد العرض الأول للفيلم المعدل في 20 سبتمبر 1943 نشرت الصباح عدة مقالات عن الفيلم أعادت فيها بعض ماورد في مقالات كانت قد نشرتها في أول العام بعد العرض الأول للفيلم الأصلي وأخذت فيها آراء الفنانين والنقاد في الفيلم . فتكتب في عدد 23 سبتمبر 1943 بقلم عبد الشافي القشاشي:
عندما عرض فيلم (عايدة) للمرة الأولى .. وردت إلينا آراء فنية قيمة من كبار الفنانين و الفنانات .. نظرا لأن فيلم أم كلثوم و أفلامها بوجه عام تعتبر من الأفلام غير العادية .. و تركنا لكل فنان حرية الرأي .. و قد أجمعت هذه الآراء على أن فيلم (عايدة) من الأفلام الممتازة جدا ، و التي تقدمت بصناعة السينما عشرة أعوام ، و لكن ينقصه ما يلي:
1- كان يجب أن نرى صورة ( أم كلثوم) و هي تقوم بعملية الماكياج في ( أوبرا عايدة) حتى يستطيع الجمهور أن يفرق بين (الأوبرا) و بين قصة الفيلم الحقيقية.
2- كان يجب عدم تطويل مشاهد (أوبرا عايدة).
3- كان يجب الرجوع إلى الموضوع الحقيقي للفيلم بعد انتهاء الأوبرا.
هذه الملاحظات الثلاث هي تتمة الكمال في فيلم (عايدة) ، يوم الإثنين – هذا الأسبوع – بسينما ستوديو مصر رأينا هذه الملاحظات قد نفذت بتمامها .. و بطريقة فنية جمعت بين البراعة و الإجادة و الإتقان ، و أصبح الفيلم سريعا في انتقالاته الفنية بين قصص الفيلم حتى أن أوبرا عايدة اصبحت لا تستغرق اكثر من خمس دقائق فيها عصارة أفكار المؤلفين و الملحنين لهذه الأوبرا.(*)
و قد أرادت شركة أفلام الشرق أن تضيف أثرا فنيا جديدا عندما نفذت الملاحظة الثالثة بالعودة إلى الموضوع الحقيقي بعد انتهاء تمثيل ( أوبرا عايدة ) إذ أضافت عدة مشاهد تمثيلية بين الأستاذين عباس فارس و سليمان نجيب .. و بين أم كلثوم و إبراهيم حمودة تنتهي بختام بديع .. إذ تغني أم كلثوم في ( الكاريتا ) و إلى جانبها من أحبها و أحبته ( إبراهيم) يشاركها الغناء.. إحنا إحنا وحدنا .. اللي يمشي رأينا.. فكان هذا الاستهلال البديع الذي وضعه الأستاذ بيرم التونسي ، و زانه بفنه الأستاذ زكريا أحمد بشيرا بمجهود فني جديد، بل بداية هذا اللحن أثبتت بأن للموسيقى أثرا في العوامل النفسية عند الناس في حياتهم الخاصة. دهشت …. و بصفة خاصة عندما غنت أم كلثوم: فرقوا بين الأحبة .. ياقساوة قلبهم .. يحسبوا شرع المحبة .. يمشي زي شرعهم. لقد راعنا هذا التعبير العالي من أدب التونسي .. و هذا الفن الممتاز من زكريا .. و تلك الروح الطموحة التي أبرزت فن الاثنين بصوتها العجيب و صنعتها الأعجب …. هي روح أم كلثوم في كل ( كوبليه)…. بل في كل ( شطرة) كنا نترنم .. و لو لم يكن صوتي كما يعرفه الناس لغنيت مع أم كلثوم من كثرة ما أخذت بفنها في هذه المقطوعة. لقد أبهجتنا أم كلثوم بقطعة ( أنشودة القطن) … و أبكتنا في موالها الحزين ( فضللي إيه يا زمان ) و لكن في تلك الأغنية الجديدة نسينا إلى جانبها كل حسنات الفيلم لما فيها من سحر و جمال و إن كانت أم كلثوم في كل حياتها الفنية سحرا و جمالا!
فيما سبق من مقال الصباح نتعرف على إضافات تمثيلية في نهاية الفيلم ، وعلى أغنية جديدة تمت إضافتها في النسخة المعدلة، وهي أغنية (إحنا إحنا وحدنا) التي كتبها بيرم التونسي ولحنها زكريا أحمد .
وعن الأدوار الجديدة التي أضيفت في النسخة المعدلة نكمل مع مقال عبد الشافي القشاشي في الصباح:
أختير الأستاذ عبد النبي محمد الكوميدي المحبوب لتمثيل دور ( مدير المسرح ) فكان ناجحا. ولأول مرة رأينا الأستاذ حلمي رفلة على الشاشة و هو يقوم بعمل ( الماكياج ) للآنسة أم كلثوم … و بينما هو يحاول أن يلحق بها و هو في طريقه إلى المسرح خيل إلينا أنه ( جندي جيش ) في ميدان القتال.
في هذه الفقرة من المقال يتضح أن دوري عبد النبي محمد وحلمي رفلة قد أضيفا للنسخة الجديدة ولذا لا نرى اسميهما في مقدمة الفيلم التي لم يتم تغييرها مع النسخة الجديدة. وهذا السبب أيضا في عدم ظهور اسم بيرم التونسي.

هذا كان بعض ما كتب عن النسخة المعدلة للفيلم بعد عرضها في 20سبتمبر 1943 . وبالرجوع لما كتب عن الفيلم في كتب ومراجع أخرى نجد أن أحمد الحضري يناقض ماكتبته الصباح بخصوص نجاح النسخة الأولى من الفيلم التي يتضح لنا أنها لم تنجح أيضاً. ونجد أيضاُ أن رتيبة الحفني افتقدت الدقة أيضاً لأن الثلث الأول من الفصل الثاني من الأوبرا قد تم حذفه أيضاً من الفيلم.


0 تعليق على موضوع : فيلم عائدة.. بين النجاح والفشل - إعداد وتوثيق : أحمد السِمِلَّاوي
الأبتساماتأخفاء الأبتسامات