-->
تسجيلات زمان تسجيلات زمان

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

أم كلثوم تتحدث عن نفسها ..نص اللقاء مع برنامج “مهنتي” 1946

 

كتب كمال عزمي:

لم تكن الجراح قد ضمدت بعد ولا الدماء قد جفت عندما قدمت أم كلثوم حفلتها التي أقيمت في السابع من مارس 1946 على مسرح حديقة الأزبكية. فقد شهدت مصر في الأسابيع السابقة لهذه الحفلة مظاهرات ضد الاحتلال البريطاني سقط فيها عشرات الشهداء.

أشد هذه المظاهرات دمويةً كانت تلك التي قامت في التاسع من فبراير وفي الحادي والعشرين منه، وتلى تلك المظاهرات يوم الحداد العام في الرابع من مارس الذي شارك فيه كل الموسسات والهيئات والجمعيات في مصر.

انتقد البعض أم كلثوم بسبب غنائها في حفل السابع من مارس، أما هي فكان لها رأي أخر في هذا الموضوع أعلنته في حوار إذاعي أجراه معها الرائد الإذاعي عبد الحميد يونس ( 1916 – 1984) وأذاعه في برنامج (مهنتي) الذي أذيع في الساعة التاسعة والنصف من مساء الاثنين الموافق للخامس والعشرين من شهر مارس 1946.

نص حوار أم كلثوم مع عبد الحميد يونس

س: ماذا يكون شعورك وأنت تغنين؟

ج: أشعر أنني أؤدي واجباً محبباً إلى نفسي، فالغناء مهنتي وهوايتي معاً، ولا يخفى بالطبع أنني أطرب حين أغني ولكن طربي في هذه الحالة يكون مشوباً بشعوري بمسئوليتي نحو الفن ونحو الجمهور. أي المحافظة على القواعد الفنية وحسن الأداء.

س: أتقصدين أنك تتهيبين أثناء الغناء ؟ إن مظهرك حين تغنين لا ينم عن تهيب إطلاقاً وإنما تبرز بوضوح صفتان من صفاتك هما تمكنك من فنك وثقتك بنفسك ثقة قوية جداً.

ج: العفو يا افندم العفو.. أخجلتم تواضعنا..ومع ذلك أؤكد لك أن لي صفة ثالثة أبرز مما وصفتني به لا بأس من أن تعرفها..هي التهيب أو الرهبة..وهذا شعور قديم يرجع إلى بداية عهدي بالغناء، فما واجهت الجمهور إلا وفاضت يداي عرقاً من التهيب وهذا هو السر في المنديل الذي أحتفظ به دائماً حين أغني لأجفف به يدي. وأصبحت الرهبة عادة لازمتني ونمت معي وصار المنديل لازمة من لوازمي حتى الآن.

س: لكن على كل حال هذا لا يغير شيئاً من صفتيك: تمكنك من فنك وثقتك بنفسك وإنما يجعلني أضيف صفة ثالثة وهي أن مظهرك أثناء الغناء يدل يقيناً على أن صفة أخرى نمت معك ومع الرهبة وهي اطمئنانك إلى مقدرتك الفنية.

ج: فسرها كما تشاء وإنما أنا أضطرب والسلام.

أحب حين أستمع إلى أغنياتي أن أخلو لنفسي وللاستماع وليس من حولي همس ولا حركة كي أستطيع أن أستمع بإمعان.

س: على كل حال هذا شعور من ينجحون في حياتهم، ولا يطمئن الواحد منهم لنفسه أو مكانته ولا يرتكن عليها. وإنما يطلب المزيد دائماً ولعلك كلما ازددت تقدماً ونجاحاً ازداد شعورك بمسؤوليتك نحو الفن ونحو الجمهور وهذا ضمان طيب لاستمرار النجاح إن شاء الله. طيب عرفنا شعورك حين تغنين فهل نستطيع أن نعرف شعورك حين تستمعين إلى صوتك في الشرائط أو الاسطوانات ؟

ج: هذه حالة مختلفة كل الاختلاف. هنا اكون مستمعة فقط وأحب حين أستمع إلى أغنياتي أن أخلو لنفسي وللاستماع وليس من حولي همس ولا حركة كي أستطيع أن أستمع بإمعان.

س: بالطبع لكي تطربي لأم كلثوم كما يطرب الناس ..

ج: وشيء آخر هو أن أحاسب أم كلثوم حساباً عسيراً فإن أحسنت طربت. وعلى كل فإني ما سمعت أغنية لي ورضيت عنها كل الرضى. إنما أرجو دائماً مزيداً من الإتقان. هذا هو شعوري.

س: يذكرني هذا بجملة وردت في مقال لأستاذنا محمد سعيد لطفي باشا عن الفنانة أم كلثوم أذكر أنه قال: “من أهم أسباب تفوق أم كلثوم أنها أشد الناس إعجاباً بأم كلثوم” فما رأيك أنت ؟

ج: حين تحسن.

س: إذن أنت معجبة بها كل الإعجاب لأنها دائماً تحسن.

ج: ياأخي انت قلت انك حتعمل معايا حديث عن مهنتي مش عن شخصي. ما تسيبنا من المسائل دي بقى..

س: ما هو ده برضه كلام في الموضوع .. مهنتك وشخصك واحد.

ج: ده انا باينني مش حاقدر عليك .. قول ياخويا قول..

إنني لا أكره أن يظهر الجمهور شعوره أو يعبر عن إحساسه وبالطبع لا أنتظر من السامعين أن يكبتوا عواطفهم حين يطربون أو تهزهم نغمة أو معنى وإنما أفضل أن يعبروا عن إحساسهم في مواضع معينة

س: قلت أنك تحبين أن تسمعي نفسك على رواقة. فهل معنى هذا أنك تحبين أن يكون الجمهور مثلك لا همس ولا حركة ؟

ج: إنني لا أكره أن يظهر الجمهور شعوره أو يعبر عن إحساسه وبالطبع لا أنتظر من السامعين أن يكبتوا عواطفهم حين يطربون أو تهزهم نغمة أو معنى وإنما أفضل أن يعبروا عن إحساسهم في مواضع معينة. تجد من يحسنون الاستماع لا يتحركون إلا عندها، حين أكون قد خلصت من نغمة أو مقطع. في هذه الحالة فقط أشعر بتجاوب بيني وبين السامعين يطربني ويعاونني على الإجادة، أما أن يكون بين الحاضرين مهرج نشاز لا أكاد أقول كلمة حتى يصدر عنه صوت مرتفع قوي يقطع عليَّ النغمة فهذا يضايقني ويكاد يخرجني من الانسجام فيجعلني أفكر في النزول من المسرح كي أطرده.

س: معاك حق البلوة اللي زي ده تبقى الناس كلها عاوزة تطلعها بره. وما هي أحب أغانيك إليك ؟

ج: أنا أحب كل أغنياتي بلا استثناء فلكل أغنية عندي مذاق، وإلا لما غنيتها ولا يمكن أن أغني أغنية لا أحبها.

س: ولعل هذا أيضاً من أسباب نجاحك. وبهذه المناسبة هل صادفتك في حياتك الفنية ظروف خاصة عاونت على أن تصلي إلى هذه المكانة الفنية الممتازة ؟

ج: لست أشك في أن حسن الحظ الذي هيأ لي حفظ آي الذكر الحكيم في طفولتي هو أسعد ظروف حياتي والأساس الأول فيما صادفني من توفيق. فقد نلت بركة القرآن. وإلى جانب البركة العظيمة فإن حفظ القرآن الكريم ضبط مخارج ألفاظي وطبع في نفسي تذوق الأدب، وتجويد آي الذكر الحكيم سجل في خاطري أساس الأنغام الموسيقية الأصيلة الرصينة ولا زال ما طبعني عليه كتاب الله الكريم عوني الأول في حياتي وفي فني. نفعنا الله بكتابه وهدينا بهديه.

س: آمين . وهل كان لشخص أو أشخاص تأثير في توجيهك الفني ؟

ج: كان الفضل في نجاحي بعد الله جلت نعمته لوالدي طيب الله ثراه. فوالدي هو الذي نشأني ورعاني ووالاني بإرشاده وحسن توجيهه ولا زلت إلى اليوم أسير على الخطوط التي رسمها لي.

س: الله يرحمه .. وماهي فكرتك الخاصة عن رسالتك كفنانة ؟

ج: في أواخر الشهر الماضي، أيام الحوادث الأليمة التي راح ضحيتها أرواح بريئة من المواطنين بعث إليَّ مستمع كريم من طنطا برسالة جاء فيها أنه علم من الصحف أن لي حفلة يوم 4 مارس تقيمها كلية الآداب وحفلة الإذاعة يوم 7 مارس وقال صاحب الرسالة أن إخلاصه لي وتقديره دفعاه لأن يقترح عليَّ تأجيل الحفلتين فقد لا يكون من المناسب إقامة حفلات غنائية والبلاد في حزن على الضحايا. الواقع أنني دهشت حين قرأت هذا الاقتراح وإن كنت قدرت الشعور الطيب الذي دفع صاحبه إليه. وأرسلت له الرد على الفور وأخبرته أنني كنت بالطبع قد اتفقت – قبل تسلمي الكتاب – على تأجيل حفلة 4 مارس لأنه يوم الحداد العام. أما حفلة الإذاعة فقلت في ردي عنها أنه لا موجب لتأجيلها مادامت في أحد الأيام العادية التي يجب فيها على كل فرد أن يؤدي عمله، وأنني سأقيم الحفلة بإذن الله وعلى بركته معتقدة أنني بإحيائها إنما أؤدي واجباَّ وطنياَّ في هذه الظروف فليست مهمة المغني الإطراب والترفيه فحسب. كان هذا ردي.

إذا عبرت الأغنية عن عاطفة عامة كشعور وطني فإن السامعين يلتقون جميعاً عند هذا الشعور وتثير الأغنية عند الجميع عاطفة واحدة

س: وأقيمت الحفلة فعلاَّ وغنيت فيها “سلوا قلبي” والواقع أنها جاءت في وقتها فما أحوجنا لأن نستمع إلى “وما نيل المطالب بالتمني” وغيرها وغيرها من الحكم الوطنية والدينية التي تفيض بها القصيدة. ترى وماذا كان رأي صاحب الرسالة ؟

ج: بعد الحفلة تلقيت منه شاكرة رسالة رقيقة جاء فيها أنه اقتنع بوجهة نظري. والواقع أن صاحب هذه الرسالة كان تحت تأثير فكرة خاطئة قد تكون شائعة وهي أن مجال الموسيقى والغناء للظروف السعيدة فقط. ولكن للموسيقى مهام أسمى من هذا وأرفع فهي غذاء الروح وترجمان العواطف. وعواطفنا الإنسانية فيها الفرح وفيها الحزن. والغناء والموسيقى تخاطب هذه وتلك وتتحدث إلى كلِّ بلغته، وتدق على الوتر الحساس في شعوره. أليس من بعض الأغاني ما يبكي ومن بعضها ما يبهج ؟. بل أكثر من هذا قد يحدث أن الأغنية الواحدة حين تلقى تبعث في نفوس السامعين مشاعر متباينة. تبكي هذا وتبهج ذاك والأغنية هي هي وإنما كلٌ يغني على ليلاه. ولكن إذا عبرت الأغنية عن عاطفة عامة كشعور وطني فإن السامعين يلتقون جميعاً عند هذا الشعور وتثير الأغنية عند الجميع عاطفة واحدة. ولذلك استغلت الموسيقى منذ أقدم العصور لدفع الجيوش للهجوم وفي الأناشيد الوطنية تثير الحماسة وتحرك أكرم المشاعر القومية. وبعد هذا فالغناء من قديم الزمان أيضاً يعين على تحمل المشاق، فعند العرب حادي العيس يغني ليخفف عن الإبل والرعاة مشقة الطريق والسفر الطويل. واستطاع العلم الحديث أن يستخدم الموسيقى في علاج بعض الأمراض النفسية وفي تخفيف آلام المرضى في المستشفيات.

س: وتداوي كبد مجروح..

ج: مثلاً. وبعد فليست مهمة الموسيقى الإطراب والترفيه فحسب وإنما هي مرآة الأحاسيس الإنسانية الكريمة وعنوان الشعوب يقاس بها مقدار رقيها وتقدمها. هذه هي فكرتي عن مهمتي ومهنتي.

س: فكرة عالية. وهل من الممكن أن نعرف أسعد ليلة مرت بك في حياتك كفنانة ؟

ج: الحمد لله أشكر فضله ونعمته فقد مر بي في حياتي كثير من الليالي السعيدة ولكن واحدة من هذه الليالي طغت على كل ماسبقها وهي كنت أغني في حفلة الإذاعة بالنادي الأهلي ليلة عيد الفطر المبارك وإذا طلعة الفاروق المفدى تشرق على المكان فتشيع في الجميع فرحة جعلت العيد عيدين. لم تمر عليَّ في حياتي كلها لحظة أسعد من هذه وليس لديَّ ذكرى أكرم ولا أغلى من ذكراها.

س: الواقع أنها كانت لفتة كريمة من مولانا الملك المعظم تحمل تقديره الكريم للفن الخالص ولمن يحملون شعلته. ولم يكن عيدك وعيد الحاضرين هناك في تلك الليلة. إنما كان عيد العمر لنا نحن..الراديو .. وكل من استمع إلينا. طيب السؤال التقليدي.. لو لم تكوني كوكب الشرق أم كلثوم فماذا كنت تتمنين أن تكوني الآن ؟

ج: أم كلثوم برضه ..ألف حمد الله على كده

س: واحنا كمان.

كاتب الموضوع

تسجلات زمان

0 تعليق على موضوع : أم كلثوم تتحدث عن نفسها ..نص اللقاء مع برنامج “مهنتي” 1946

  • اضافة تعليق

  • الأبتساماتأخفاء الأبتسامات



    إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

    إتصل بنا

    جميع الحقوق محفوظة لـ

    تسجيلات زمان

    2017